منتديات الجمعية التونسية للعلوم الشرعية بمساكن
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

منتديات الجمعية التونسية للعلوم الشرعية بمساكن

المساهمة في نشر العلوم الإسلامية والنهوض بها لدى كافة المسلمين
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
أسماء الله احفظها

{وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (180) سورة الأعراف
تحفيظ القرآن الكريم
يمكن حفظ القرآن الكريم
وفق قواعد التلاوة وبكل يسر
من خلال الضغط
على الرابط التالي:


القرآن الكريم
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى
كمال بوهلال - 191
 
نجاح بوهلال - 52
 
walidgraa - 22
 
نادية - 9
 
صبري الغربي - 4
 
مؤمن - 2
 
أبو شهد - 2
 
جوهر المالكي - 1
 
yassine - 1
 
عامر محمد موسى - 1
 
عدد الزوار
widget
الساعة الآن

شاطر | 
 

 مصطلح الاشعرية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
نجاح بوهلال

avatar

انثى السن : 28
المهنة المهنة : طالبة علم
تاريخ التسجيل : 19/08/2011
عدد المساهمات : 52

مُساهمةموضوع: مصطلح الاشعرية   الأربعاء ديسمبر 21, 2011 7:42 am

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ، ورضي الله عن أصحابه المتقين.

أما بعد:-

الأشعرية ، أسم يتردد على ألسنة المناوئين لهم، حيث ينسبونهم إلى الضلالة والبدعة ، فمن أجل الوحدة الإسلامية والدعوة لها ، نريد أن نعرف حقيقة هؤلاء القوم ، من هم؟ ما هي أهدافهم؟ وما هي أفكارهم؟ لعل فيها ما ينوافقهم ويوافقوننا به حيث نجعل هذه الأمر تقوي وتوثق الروابط بين بعضنا البعض كمسلمين ، شيعة وأشعرية وصوفية وإباضية وظاهرية ومعتزلة وغيرهم من الطوائف الإسلامية.

أقدم بين يديكم كتابا مفيدا في هذا الباب وهو للشيخين الفاضلين

الشيخ الجليل حمد بن أحمد السنان وشيخ آخر جليل فوزي العنجري - حفظهما الله تعالى ووقاهما من كل سوء، وقد قرظوا الكتاب مجموعة من شيوخ أفاضل منهم

الشيخ الدكتور الأصولي محمد حسن هيتو - حفظه الله

والشيخ الدكتور الفقهية عجيل جاسم النشمي - حفظه الله تعالى

وعدد أخرين لا تحضرني أسماؤهم.



وإليكم الكتاب وما فيه لعل الله أن يجعله فاتحة خير لنا ولكم وللمسلمين.

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدًا كثيرًا كبيرًا يبلغ رضاه ، والصلاة والسلام على خيرته من خلقه ومصطفاه ، وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد .

فأصل هذا البحث ونواته ورقات مختصرة أجبنا فيها على بعض الأسئلة التي وردتنا من بعض طلبة الجامعة عن حقيقة الأشاعرة ، وهل هم من جملة أهل السنة والجماعة ؟
وكنا نظن أن تلك الورقات ستروي الغلة وتشفي العلة ، لكننا تبيّنا خطأ ذلك الظن حين تتابعت التساؤلات حول نفس الموضوع ، مما لفت انتباهنا إلى الجهل الشديد والمطبق بمسلمات الدين ومبادئه وعلمائه ، خصوصا في أمر هام كالعقائد ، وفي مذهب إسلامي سُنّي طبّق الأرض والتاريخ على مدى أدواره كلها .

هذا المذهب الذي ما فتئ رافعا لواء أهل السنة والجماعة ، منافحًا عن ثوابت الأمة وعقائدها ، واقفاً في وجه طوفان البدع والزيغ وأهله .

هذا المذهب الذي هو امتداد لما كان عليه الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل السنة .

هذا المذهب الذي يدين به تسعة أعشار أمة الإسلام وسوادها الأعظم وعلماؤها ودهماؤها .

مما اقتضى كتابة هذا البحث مساهمة منا في إزاحة سجف الجهالة التي غشت على العقول المسلمة في أمور هي من الأهمية بمكان ، أمور كانت بالأمس تكاد تلحق بالقضايا المعلومة من الدين بالضرورة ، فباتت في عصرنا من القضايا التي لا يكاد يعرفها أحد ، ومن عرفها لا تكاد معرفته بها تخلو من خلط أو خبط .

وسـاهم في هذه الجهالة والظلم الذي وقع على هذا المذهب قوم أرادوا أن يحسنوا فأساءوا ، قوم لم يفهموا حقيقة مذهب الأشاعرة في التأويل والتفويض فأساءوا في الحكم عليه بالضلال في قضية لا تستلزم كل هذا التهويل والتضليل .

فقضية التأويل والتفويض لم تكن يوما تشكل خطرًا يهدد الأمة ويقض مضجعها ، ولم تكن مشكلة أمام علماء المسلمين تستوجب التراشق بالتهم والتنابز بالألقاب ، وكلٌّ من التأويل والتفويض قد نقل عن علماء السلف الصالح ولم يترتب على ذلك بينهم تضليل ولا تبديع ، فلماذا نجعله الآن سببا لذلك ؟ ! لماذا نجعله عقبة أمام وحدة أهل السنة والجماعة في وقت نحن فيه في أمس الحاجة إلى الوحدة ؟ !

ولقد كنا قبل نتحاشى الخوض في هذه القضايا خشية أن ندخل العامة في متاهات لا حاجة بهم إلى الدخول فيها ، سيما موضوع صفات الله تعالى والنصوص المتشابهة التي نهى السلف الصالح عن الخوض فيها ، وأمروا الناس بإمرارها بلا كيف ، وبإرجاعها إلى الآيات والنصوص المحكمة ، أما وقد خاض فيها البعض ووصفوا الله تعالى بما لا يليق وبما يستحيل في حقه تعالى ، وأدخلوا العامة في ذلك ، وضللوا أعلام الدين وعلماء الأمة فلا مناص من ولوج هذا الباب – ولو كنا كارهين – لبيان الحق في ذلك ، والدفاع عن علماء الأمة .
* * *

إن أسباب الوحدة التي تملكها أمتنا لا تملكها أمة أخرى على الأرض ، ودواعي الاجتماع التي لدينا كثيرة جدًا ، وإنه لمن أشد الظلم والتجني أن نهمل كل هذه الأسباب والموجبات الجامعة ونتجاهلها ، ثم نركز على أمور لا تذكر وأشياء لا ترى حتى من تحت المجهر ، ونجعلها من القضايا المهمة التي ينبني عليها الدين ، وتقوم عليها عقائد المسلمين .

إننـا اليوم لفي أمس الحاجة إلى الوحدة والتجمع لكي نتخطى عصر الظلمات الذي نحن فيه ، ولن يتم لنا ذلك من خلال مناهج التبديع والتفسيق – جزافاً وبغير حق – لأعلام تاريخنا الذي هم بمثابة العُمُد والأسس لثقافتنا وحضارتنا ، كما لن يتم لنا ذلك من خلال إشاعة المزيد من أسبـاب الفرقة المفتعلة ، وتصنيـف المسلميـن إلى ضُلال ومبتدعيـن وزنادقة وقبوريين .. و .. و .. إلخ . نعم ، لن يتم للأمة خلاصها إلا بالرجوع إلى المنابع ، والعودة إلى الأصالة والجذور ، وإنشاء أجيال مسلمة تعرف للدين وعلماء الأمة أقدارها ، أجيال تدرك قيمة الحوار للوصول إلى الحق ، وتتسع صدورها للاختلاف الذي هو من طبيعة البشر .

وهو ما كنا دائما نسعى إلى ترسيخه في جميع بحوثنا ، وهو ما نصْبوا إليه في هذا البحث ، معرضين عن كل ما قد يثيره بعض من لم يتجرد للحق ، ضاربين عنه صفحاً ، موقنين بأن الحوار الهادئ المعتضد بالدليل والحجة والبرهان هو أقصر طريق للحقيقة .

وبالله الحول والقوة ، وإليه المفزع في درك كل طَلِبَة ، به نعتضد وعليه نعتمد ، هو حسبنا ونعم الوكيل .

مصطلح الأشاعرة
لفظ الأشاعرة يطلق على من سلك مسلك الإمام أبي الحسن الأشعري في الاعتقاد ، لا تقليداً بل اهتداءً ، فمثل الإمام أبي الحسن – رحمه الله تعالى – كمن عقد على طريق السلف لواءً ليهتدي به من يراه ، فالانتساب إليه مثل الانتساب إلى الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد – رضوان الله عليهم – في الفروع الفقهية ، إذ مع كونهم مختلفين في طرق الاستنباط واستخراج الأحكام ، إلا أنهم متفقون على المصادر التي يصدرون عنها والموارد التي يردونها ، وكذلك الإمام أبو الحسن الأشعري في أبواب أصول الدين ، إنما هو آخذ من القرآن الكريم والسنة الشريفة ، وسائر على طريق السلف ، والانتساب إليه إنما هو من حيث كونه أضاء تلك الطريق ونصب عليها نطاقاً وشهرها في الأمة بعد أن حاول طمسها أصحاب البدع والأهواء .

قال الإمام تاج الدين السبكي – رحمه الله تعالى – ( الطبقات 3 / 365 ) :
( اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأياً ولم ينش مذهباً ، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف ، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله ، فالانتساب إليه إنما هو باعتبار أنه عقد على طريق السلف نطاقاً وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعرياً ) اهـ .

ثم قال رحمه الله تعالى مبيناً أن هذه الطريقة عليها جل الأمة :
( وقد ذكر شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام أن عقيدته – يعني الأشعري – اجتمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب ، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري ) اهـ .

وقال الإمام أبو القاسم القشيري – رحمه الله تعالى – ( تبيين كذب المفتري ص / 359 ) :
( … فإن قال بعض الجهال المبتدعة : فمن أين أتى هذا المذهب الخامس الذي اخترعتموه ؟ ولم رضيتم لأنفسكم الانتساب إلى الأشعري الذي اتبعتموه ؟ وهلا اقتنعتم بالانتساب إلى الإمام الألمعي أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ، فإنه أولى بالانتساب إليه ممن سواه وأحق بالانتماء إلى مذهبه ممن عداه .



قلنا : هذا قول عَريٌّ عن الصدق ، وقائله بعيد عن الحق ، فمن ذا الذي حصر المذاهب بالعدد الذي حصرتم ؟! ومن يصحح لكم ما ذكرتم ؟ بل المذاهب أكثرها لا ينحصر بهذا العدد الذي عددتم ، ولو كانت منحصرة به لم يحصل لكم بذلك ما قصدتم ، وكأنكم لم تسمعوا بمذهب الليث بن سعد المصري ، وعثمان بن سعيـد البتي المصري ، وإسحاق بن راهويه الخراساني ، وداود بن علي الأصبهاني ، وغيرهم من علماء الإسلام الذين اختلفوا في الفتاوى والأَحكام لا في أصول الدين المبنية على القطع واليقين ، وليس انقراض أرباب المذاهب التي سمينا يصحح لهذا الجاهل هذه المقالة التي عنه حكينا ، ولسنا نسلم أن أبا الحسن اخترع مذهباً خامساً ، وإنما أقام من مذاهب أهل السنة ما صار عند المبتدعة دارساً ، وأوضح من أقوال من تقدمه من الأربعة وغيرهم ما غدا ملتبساً ، وجدد من معالم الشريعة ما أصبح بتكذيب من اعتدى منطمساً ، ولسنا ننتسب بمذهبنا في التوحيد إليه على معنى أنا نقلده فيه ونعتمد عليه ، ولكنا نوافقه على ما صار إليه من التوحيد لقيام الأدلة على صحته لا لمجرد التقليد ، وإنما ينتسب منا من انتسب إلى مذهبه ليتميز عن المبتدعة الذين لا يقولون به من أصناف المعتزلة والجهمية والكرامية والمشبهة والسالمية ، وغيرهم من سائر طوائف المبتدعة وأصحاب المقالات الفاسدة المخترعة ، لأن الأشعري هو الذي انتدب للرد عليهم حتى قمعهم وأظهر لمن لا يعرف البدع بدعهم ، ولسنا نرى الأئمة الأربعة الذين عنيتم في أصول الدين مختلفين ، بل نراهم في القول بتوحيد الله وتنزيهه في ذاته مؤتلفين ، وعلى نفي التشبيه عن القديم سبحانه وتعالى مجتمعين ، والأشعري – رحمه الله – في الأصول على منهاجهم أجمعين ، فما على من انتسب إليه على هذا الوجه جناح ، ولا يرجى لمن تبرأ من عقيدته الصحيحة فلاح ، فإن عددتم القول بالتنزيه وترك التشبيه تمشعرا فالموحدون بأسرهم أشعرية ، ولا يضر عصابة انتمت إلى موحد مجردُ التشنيع عليها بما هي منه برية ) اهـ .

فانظر – رحمك الله – كيف جعل الانتساب إلى الإمام الأشعري تميزاً عن أهل البدع والأهواء , وأنه ومن انتسب إليه على ما كان عليه السلف الصالح من الأربعة وغيرهم .

وقال الحافظ ابن عساكر – رحمه الله تعالى – ( المصدر السابق 397 ) :
( وهم – يعني الأشاعرة – المتمسكون بالكتاب والسنة ، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة ، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة ، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة ، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية ، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية ، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهين العقول ،


ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة ، ويطرحون تفريط المجسمة المشبهة ، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة ، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية ، ويبطلون مقـالات القدرية ويرذلون شبه الجبرية ......... فمذهبهم أوسط المذاهب ، ومشربهم أعذب المشارب ، ومنصبهم أكرم المناصب ، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قـادح ، ولا يظهر فيهم جرح جارح ) اهـ .

وقال أيضاً – رحمه الله تعالى – ( ص / 410 ) :
( وأكثر العلماء في جميع الأقطار عليه – يعني مذهب الأشعري – وأئمة الأمصار في سائر الأعصار يدعون إليه ، ومنتحلوه هم الذين عليهم مدار الأحكام وإليهم يرجع في معرفة الحلال والحرام ، وهم الذين يفتون الناس في صعاب المسائل ، ويعتمد عليهم الخلق في إيضاح المشكلات والنوازل ، وهل من الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلا موافق له أو منتسب إليه أو راض بحميد سعيه في دين الله أو مثن بكثرة العلم عليه ، غير شرذمة يسيرة تضمر التشبيه ، وتعادي كل موحد يعتقد التنزيه وتضاهي أقوال أهل الاعتزال في ذمه ، وتباهي بإظهار جهلها بقدر سعة علمه ) اهـ .

وقال الإمام المرتضي الزبيدي – رحمه الله تعالى – ( إتحاف السادة المتقين 2/7 ) :
( وليعلم أنّ كلاًّ من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور – رضي الله عنهما – وجزاهما عن الإسلام خيراً لم يبدعا من عندهما رأياً ولم يشتقا مذهباً إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله ... وناظَرَ كلٌّ منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين ) اهـ .

هـؤلاء هم الأشاعرة أتباع الإمام أبي الحسن الأشعري ، فمن هو هذا الإمام الفذ الذي انتسبوا إليه ؟

















إن علماء الأمة منذ قورن خلت هم أشعرية كابرا عن كابر ، فيهم المئات منهم على مر العصور والدهور.

أما قولك هذا بأن النبي يأتي ومعه النفر القليل ، هذا صحيح ولكن ليس بمقياس على هذه الأمة المحمدية لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي ومعه السواد الأعظم من أمته ، فقولك هذا قياس مع الفارق الشاسع له له أي وجه من الصحة.

أما الكثرة والقلة ، فاعلم هداني الله وإياك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكاثر الأمم السابقة يوم القيامة، فهل يكاثر بفساق من أصحاب النار؟!!!

ثانيا إن كان لك تعليق فافتح صفحة مستقلة وقل ما تشاء.

---------------------------------------------

تكملة الكتاب
=================

ترجمة الإمام أبي الحسن الأشعري


هو الإمام الحبر ، التقي البر ، ناصر السنة ، ومبير الفتنة ، علم الدين ، وشعار المسلمين ، علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ـ أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري ـ رضي الله عنه .

شيخ طريقة أهل السنة والجماعة وإمام المتكلمين ، ولد رحمه الله سنة ستين ومئتين ، وتبع أول أمره مذهب الجبّائي المعتزلي ، واستمر على الاعتزال أربعين سنة ، وبرع فيه حتى صار للمعتزلة إمـاماً ، وعلى خصومهم حسـاما ، فلما أراد الله نصر دينه ، وتأييـد سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بصره ببطلان مذهب الاعتزال فكانت تعرض له إشكالات على عقائد المعتزلة ، فيسأل عنها أستاذِيه فلا يجد عندهم أجوبة شافية ، وهكذا إلى أن أراه الله تعالى وجه الحق .

فخـرج إلى الجامع وصعد المنبر وصاح بأعلى صوته ( أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي ، أنا فلان بن فلان ، كنت أقول بخلق القرآن ، وأن الله تعالى لا يرى في الآخرة بالأبصار ، وأن العباد يخلقون أفعالهم ، وهاأنا تائب من الاعتزال معتقد الرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم .

معاشر الناس إنما تغيبت عنكم هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة ، ولم يترجح عندي شيء على شيء ، فاستهديت الله تعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته كتبي هذه ، ولقد انخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا ، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به ، ودفـع للناس الكتب التي ألفها على مذاهب أهل الحق ، وطريقة الجماعة من الفقهاء والمحدثين .



قال العلماء : إن أهل البدع قبل الإمام أبي الحسن قد رفعوا رؤوسهم فلما ظهر عليهم رحمه الله قمعهم بأقماع السماسم .

وقد أخذ عنه رحمه الله خلق كثير من أعلام الأمة مثل الإمام أبي الحسن الباهلي البصري رحمه الله تعالى ، والإمام أبي عبد الله بن مجاهد البصري رحمه الله تعالى ، والإمام أبي محمد الطبري المعروف بالعراقي رحمه الله تعالى ، والإمام أبي بكر القفال الشاشي رحمه الله تعالى ، والإمام أبي سهل الصعلوكي النيسابوري رحمه الله تعالى .
وأخذ عن أصحابه أعلام وأئمة في الإسلام ، مثل الإمام القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله تعالى ، والإمام أبي الطيب بن أبي سهل الصعلوكي رحمه الله تعالى ، والإمام أبي علي الدقاق رحمه الله تعالى ، والإمام الحاكم النيسابوري رحمه الله تعالى ، والإمام أبي بكر بن فورك رحمه الله تعالى وغيرهم ممن تتزين بذكرهم المنابر ، وتتعطر بسيرهم الدفاتر وكلهم خلّف تلامذة هم إلى اليوم أعلام الدنيا ونجوم الهدى .

وعلى الجملة فقد انتصر لمذهبه أهل السنة والجماعة في جميع الأرض ، وبلغ مذهبه ما بلغ الليل والنهار ، لما كان عليه من اتباع مذهب السلف رضوان الله عليهم ورفع لواء السنة .

توفي رحمه الله تعالى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة ، وكل أهل السنة باكون عليه ، متوجعون لفقده ، وكل أهل البدعة مرتاحون منه . رحمه الله ورضي عنه .


* * *

تنبيه
يرى البعض أن الإمام أبا الحسن الأشعري رحمه الله تعالى قد مرّ قي حياته بثلاث مراحل , الأولى : مرحلة الاعتزال التي دامت إلى سن الأربعين .

والثانية : مرحلة اتباعه لعبدالله بن سعيد بن كلاّب .

والثالثة : مرحلة رجوعه إلى عقيدة السلف وأهل السنة .
ويبنون على هذه الدعوى أن الأشاعرة اتبعوا الإمام الأشعري في مرحلته الثانية فقط , ولم يتابعوه في رجوعه إلى مذهب السنة !

إذ عندهم أن عبدالله بن كلاّب ليس من أهل السنة , وأن الأشاعرة متبعون له لا للإمام أبي الحسن لأن الإمام رجع عن عقيدة ابن كلاّب في مرحلته الثالثة , وألّف على عقيدة السلف كتابه الإبانة وبعض كتبه الأخرى .

هذا تقرير هذه الدعوى , وقبل الشروع في إثبات بطلانها تاريخياً وعلمياً نفصل ما ورد فيها من قضايا , ثم نشرع في تفنيدها , لقد تضمنت هذه الدعوى ثلاث قضايا :

الأولى : الإمام الأشعري مر بثلاث مراحل في حياته , الاعتزال ثم اتباعه لابن كلاّب ثم أخيراً رجوعه إلى منهج السنة والجماعة .
الثانية : عبد الله بن سعيد بن كلاّب ليس على منهج أهل السنة والجماعة .
الثالثة : كتاب الإبانة يمثل المرحلة الأخيرة من حياة الإمام الأشعري , وهي مرحلة العودة إلى طريق السلف الصالح .


وللرد على القضية الأولى وهي مرور الإمام بثلاث مراحل أو ثلاث حالات في حياته نقول :
إن الإمام الأشعري رحمه الله تعالى لم يكن نكرة من الناس أو رجلاً مجهولاً حتى يخفى على الناس أمره في قضية مثل هذه التي نحن بصددها , فإن كان الأمر كما جاء في الدعوى , وأنه مر بثلاث مراحل في حياته فلا بد أن يكون المؤرخون قد ذكروا هذا وبينوه , ولكان ـ حتماً ـ قد اشتهر عنه وانتشر , وعند الرجوع إلى كتب التاريخ لا نجد أي إشارة إلى هذا لا من قريب ولا من بعيد , بل نراها كلها مطبقة على أن الإمام أبا الحسن بعد هجره للاعتزال والمعتزلة رجع إلى مذهب السلف الصالح والسنة .

قال عنه ابن خلكان ( وفيات الأعيان 3/284) :
( هو صاحب الأصول والقائم بنصرة مذهب السنة . . . وكان أبو الحسن أولاً معتزلياً ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة يوم الجمعة ) اهـ .

وفي سير أعلام النبلاء ( 15/89) قال عنه الذهبي :
( وبلغنا أن أبا الحسن تاب وصعد منبر البصرة , وقال : إني كنت أقول بخلق القرآن . . . وإني تائب معتقد الردّ على المعتزلة ) اهـ .

وعند العلامة ابن خلدون رحمه الله ( المقدمة ص/853) :

( إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري وناظر بعض مشيختهم ـ أي المعتزلة ـ في مسائل الصلاح والأصلح , فرفض طريقتهم وكان على رأي عبدالله بن سعيد بن كلاّب وأبي العباس القلانسي والحارث المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة ) اهـ .

فأثبت أن الإمام بعد رجوعه عن الاعتزال كان على رأي عبدالله بن كلاّب والقلانسي والمحاسبي وهؤلاء كلهم على طريقة السلف والسنة .

وهكذا كل كتب التاريخ والتراجم والأعلام التي ترجمت للإمام أبي الحسن , مثل تاريخ بغداد للخطيب البغدادي , وطبقات الشافعية للسبكي وشذرات الذهب لابن العماد والكامل لابن الأثير وتبيين كذب المفتري لابن عساكروترتيب المدارك للقاضي عياض وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة وطبقات الشافعية للأسنوي والديباج المذهب لابن فرحون ومرآة الجنان لليافعي وغيرها , كلها مطبقة على أن الإمام أبا الحسن بعد توبته من الاعتزال رجع إلى مذهب السلف والسنة .

والأمر الذي لا خلاف فيه أن أولى الناس بمعرفة الرجل هم خاصته وأصحابه وأتباعه الملازمون له , فهؤلاء هم أقرب الناس إليه وأعرفهم بأحواله وأقواله وآرائه , لا سيما في قضية مهمة مثل هذه القضية التي تتوفر الدواعي على نقلها , وتتحفز الأسماع على تلقفها، خاصة من علم مثل الإمام أبي الحسن , وعند الرجوع إلى أقوال أصحابه وأصحاب أصحابه أيضاً لا نجد أي إشارة تفيد ذلك , بل نجدهم يصرحون بأن الإمام كان بعد هجره للاعتزال على منهج السلف والسنة , فهذه مؤلفات ناصر مذهب الأشعري القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله تعالى كالإنصاف والتمهيد وغيرها ، ومؤلفات ابن فورك ومؤلفات أبي بكر القفال الشاشي وأبي إسحق الشيرازي وأبي بكر البيهقي وغيرهم من أصحاب الإمام وأصحاب أصحابه ليس فيها أي ذكر أو إشارة لهذا الأمر الذي هو من الأهمية بمكان , فهل يعقل أن يرجع الإمام عن مذهبه ويهجره ثم لا يكون لهذه الحادثة المهمة أي ذكر ؟ !

والحق الذي لا مرية فيه أن الإمام لم يمرّ في حياته إلا بمرحلتين , الاعتزال ثم الرجوع إلى طريق السلف , وليس لمن يقول بخلاف هذا الأمر من متمسك إلا كتاب الإبانة الذي صنفه الإمام على طريق التفويض الذي هو طريق جمهور السلف , فبنوا على الإبانة مخالفة الإمام الأشعري لآراء ابن كُلاّب .

تُرى هل ما في الإبانة التي هي على طريق السلف وهي من أواخر كتبه أو هي آخرها , ترى هل فيها ما يناقض ما كان عليه عبدالله بن سعيد بن كلاّب ؟ أو بتعبير آخر , هل كان ابن كلاّب على خلاف طريق السلف ؟

والجواب عن هذا يجرنا إلى الحديث عن القضية الثانية .

الرد على القضية الثانية :
هل كان عبدالله بن سعيد بن كلاّب منحرفاً عن طريق السنة والسلف ؟

بداية قبل الجواب على هذا السؤال لابد من الإقرار ـ تبعا للحقيقة التاريخية ـ أن الإمام أبا الحسـن بعد رجوعه عن الاعتزال كان على طريق عبدالله بن كلاّب , وهذا أمر لا خلاف فيه ، أما ما نريد إثباته ـ ويخالفنا فيه أصحاب الدعوى ـ هو أن عبدالله بن كلاب كان من أهل السنة وعلى طريق السلف .

فلنرجع إلى ما قاله المؤرخون في عبدالله بن سعيد بن كلاّب ، ثم لنحكم بعد ذلك هل ترك الإمام الأشعري طريقه أم لا ؟

قال التاج السبكي في الطبقات ( الطبقات 2 /300 ) :
( وابن كلاّب على كل حال من أهل السنة . . . . ورأيت الإمام ضياء الدين الخطيب والد الإمام فخر الدين الرازي قد ذكر عبدالله بن سعيد في آخر كتابه "غاية المرام في علم الكلام " فقال : ومن متكلمي أهل السنة في أيام المأمون عبدالله بن سعيد التميمي الذي دمّر المعتزلة في مجلس المأمون وفضحهم ببيانه ) اهـ.

وقال ابن قاضي شهبة ( طبقات الشافعية 1 / 78) :
( كان من كبار المتكلمين ومن أهل السنة ، وبطريقته وطريقة الحارث المحاسبي اقتدى أبو الحسن الأشعري ) اهـ.


وقال عنه جمال الدين الأسنوي ( طبقات الشافعية 2 /178 ) :
(كان من كبار المتكلمين ومن أهل السنة . . . ذكره العبادي في طبقة أبي بكر الصيرفي ، قال : إنه من أصحابنا المتكلمين ) اهـ.

وقال الإمام الحافظ الذهبي (سير أعلام النبلاء 11 /175) :
( والرجل أقرب المتكلمين إلى السنة ، بل هو في مناظريهم ) اهـ.
علّق الشيخ شعيب الأرنؤوط على هذا الكلام قائلا : ( كان إمام أهل السنة في عصره ، وإليه مرجعها ، وقد وصفه إمام الحرمين في كتابه " الإرشاد " بأنه من أصحابنا ) اهـ.

ولقد مر معنا قول العلامة ابن خلدون ( المقدمة ص / 853 ) :
( إلى أن ظهر الشيخ أبو الحسن الأشعري . . . . وكان على رأي عبدالله بن سعيد بن كلاّب وأبي العباس القلانسي والحارث المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة ) اهـ.
فوصفه بأنه من أتباع السلف .

وقال العلامة كمال الدين البياضي رحمه الله تعالى ( إشارات المرام من عبارات الإمام ص/23 ) :
( لأن الماتريدي مفصّل لمذهب الإمام ـ يعني أبا حنيفة ـ وأصحابه المظهرين قبل الأشعري لمذهب أهل السنة , فلم يخلُ زمان من القائمين بنصرة الدين وإظهاره . . وقد سبقه ـ يعني الأشعري ـ أيضاً في ذلك ـ يعني في نصرة مذهب أهل السنة ـ الإمام أبو محمد عبدالله بن سعيد القطان . . ) اهـ .

وقال الحافظ ابن حجر في ( لسان الميزان 3 /291) في ترجمته , بعد أن نقل قول ابن النديم : إنـه ـ يعني ابن كلاب ـ من الحشوية .

قال الحافظ يريد من يكون على طريق السلف في ترك التأويل للآيات والأحاديث المتعلقة بالصفات ، ويقال لهم المفوضة ) اهـ.

هذه نصوص واضحة بينة في أن الإمام عبدالله بن سعيد كان على طريق السلف والسنة ، فإذا كان الأمر كذلك كما بيّن هؤلاء الأئمة , فلم شنّع عليه من شنّع ؟


يقول الإمام ابن عبدالبر في بيان سبب التشنيع عليه وعلى غيره من أئمة أهل السنة وذلك في ترجمة الإمام الكرابيسي ( الانتقاء ص/ 165 ) :
( وكانت بينه ـ يعني الكرابيسي ـ وبين أحمد بن حنبل صداقة وكيدة , فلمّا خالفه في القرآن عادت تلك الصداقة عداوة , فكان كلُّ واحد منهما يطعن على صاحبه , وذلك أن أحمد كان يقول : من قال القرآن مخلوق فهو جهمي , ومن قال القرآن كلام الله ولا يقول غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي , ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع . وكان الكرابيسي وعبدالله بن كلاّب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون : إن القرآن الذي تكلم الله به صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق , وإن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق وإنه حكاية عن كلام الله . . . وهجرت الحنبلية أصحاب أحمد بن حنبل حسيناً الكرابيسي وبدّعوه وطعنوا عليه وعلى كل من قال بقوله في ذلك ) اهـ .

هذا هو سبب الطعن والتشنيع على عبدالله بن كلاّب ووصْـفِه بأنه لم يكن على طريق السنة والسلف , بيد أن هذا القول الذي بُـدّع بسببه لا يقتضي وصفه بالبدعة أو أنه على غير طريق السلف , لا سيما أن مسألة اللفظ بالقرآن كان يقول بها ثلة من أكابر أمة الإسلام مثل الذين ذكرهم ابن عبدالبر ومثل الإمام البخاري والإمام مسلم والحارث المحاسبي ومحمد بن نصر المـروزي وغيرهم , وما الفتنة التي حدثت بين البخاري والهذلي إلا بسبب هذه المسألة , نعني مسألة اللفظ , ولقد صنّف الإمام البخاري في هذه المسألـة كتابـه " خلق أفعال العباد " لإثبات رأيه فيها والردّ على مخالفيه .

أما الإمام مسلم فقد كان يظهر القول باللفظ ولا يكتمه , وهذا عنه مستفيض مشهور. ( سير أعلام النبلاء 11/453 وما بعدها , 11/572 ) .

والحق في هذه القضية مع الكرابيسي وابن كلاّب والبخاري ومسلم وأبي ثور وداود والمحاسبي وغيرهم ممن كان على طريقهم ، أما الإمام أحمد رضي الله عنه ومن قال بقوله فكلامهم محمول على سدّ باب الذريعة لكي لا يتوسل بالقول باللفظ إلى القول بخلق القـرآن .

قال الإمام الذهبي ( السير 12/82 ، وانظر أيضا السير 11/510 ) :
( ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي وحرره في مسألة اللفظ وأنه مخلوق هو حق ، لكن أباه الإمام أحمد لئلا يُتذرع به إلى القول بخلق القرآن فسدّ الباب ) اهـ.


وقال أيضاً ( ميزان الاعتدال 1/544 ) :
( وكان يقول ـ يعني الكرابيسي ـ القرآن كلام الله غير مخلوق , ولفظي به مخلوق , فإن عنى التلفظ فهذا جيد , فإن أفعالنا مخلوقة , وإن قصد الملفوظ بأنه مخلوق فهذا الذي أنكره أحمد والسلف وعدّوه تجهماً ) اهـ .

ولا ريب أن مراد الكرابيسي وابن كلاّب والبخاري ومسلم وأبي ثور وداود ومن كان على قولهم لاريب أن مرادهم الأول , وعلى الجملة فإن القضية أهون من أن يبدع من أجلها .

قال الحافظ الذهبي ( السير 11/510) بعد أن نقل قول الحافظ أبي بكر الأعين : مشايخ خراسان ثلاثة قتيبة , وعلى بن حجر , ومحمد بن مهران الرازي , ورجالها أربعة عبدالله بن عبدالرحمن السمرقندي ومحمد بن إسماعيل البخاري قبل أن يظهر منه ما ظهر . . . الخ

قال الذهبي : ( والذي ظهر من محمد ـ يعني البخاري ـ أمرٌ خفيف من المسائل التي اختلف فيها الأئمة في القول في القرآن وتسمّى مسألة أفعال التالين , فجمهور الأئمة والسلف والخلف على أن القرآن كلام الله المنزل غير مخلوق وبهذا ندين الله ) اهـ .

ولا يلزم من هجر الإمام أحمد لهؤلاء الأئمة أن يكونوا على غير طريق السلف , لا سيما أن الحق معهم فيما ذهبوا إليه , كما أننا متيقنون بأنهم رحمهم الله تعالى لم يقولوا هذا القول ابتداء من عند أنفسهم , كلا , وحاشاهم أن يتكلموا بشيء سكت الصحابة عنه , ما لم تدعُ حاجة إليه , وما لم يَخُضْ فيه من لا يعلم , فأرادوا كفّ الناس عن ذلك , وتبيين الحق في هذه القضية .

على أن الأمر خفيف كما وصفه الحافظ الذهبي , وأن هذه المسألة مما اختلفت فيها أقوال الأئمة , وهم متفقون جميعاً على أن القرآن الذي هو صفة الرحمن وكلامه تعالى غيرمخلوق .

بهذا يتبين أن الإمام ابن كلاّب لم يكن لوحده في هذا الأمر الذي ذهب إليه , بل كان على رأيه كبار أئمة الدين , وبهذا أيضاً يُعلم أنه لم يبتدع أو يخالف منهج السلف والسنة , بل هو من أكابر أهل السنة والجماعة السائرين على خطى السلف الصالح كما مرّ من أقوال العلمـاء فيه .

فإذا كان الأمر كذلك , فمن أين جاء القول بأن الإمام الأشعري قد ترك طريقته وآراءه ؟

وهذا السؤال يجرنا إلى الحديث عن القضية الثالثة .




وهي أن كتاب الإبانة وبعض كتب الإمام الأشعري التي ألفها على طريقة التفويض تمثل المرحلة الأخيرة من حياته , وهي مرحلة الرجوع إلى طريق السلف والسنة , أي أن هذه الكتب هي الدليل على أن الإمام مرّ بثلاث مراحل انتهت برجوعه إلى منهج السلف .

وهذا الكلام مبني كما ذكرنا على أن الإمام أثناء اتباعه لابن كلاّب لم يكن على طريق السلف , ولكننا بيّنا أن هذا غير صحيح , وأن ابن كلاّب لم ينحرف عن منهج السلف , ونقلنا من أقوال الأئمة ما يثبت هذا .

أضف إلى ذلك أن الإبانة التي هي آخر كتب الإمام أو من أواخرها , والتي هي الدليل الوحيد لهذه الدعوى مؤلفة على طريقة عبدالله بن كلاب , وهذا يقتضي اقتضاء لا محيص عنه أن ابن كلاب كان على طريق السلف , كما يقتضي أيضاً أن المرحلة الأخيرة في حياة الإمام والتي ألّف فيها الإبـانة كانت مرحلة اتباعه لعبدالله بن كلاب الذي هو طريق السلف ذاته , وهذه المرحلة هي التي أعقبت رجوع الإمام عن الاعتزال .

قال الحافظ ابن حجر في ( لسان الميزان 3/291 ) ـ وقد مرّ قريبا ـ تعليقاً على وصف ابن النديم لابن كلاّب بأنه من الحشوية , قال الحافظ : ( يريد من يكون على طريق السلف في ترك التأويل للآيات والأحاديث المتعلقة بالصفات ويقال لهم المفوضة , وعلى طريقته ـ يعني ابن كلاّب ـ مشى الأشعري في كتاب الإبانة ) اهـ .

وهذا صريح بأن الإمام الأشعري لم يهجر طريق ابن كلاّب حتى آخر حياته .

والدليل أنه صنّف الإبانة على طريقة ابن كلاب أن الحنابلة في بغداد رفضوها ولم يقبلـوها منه من أجل السبب الذي ذكره ابن عبد البرّ . ( انظرسيرأعلام النبلاء 15/90 , طبقات الحنابلة 2/18 , الوافي بالوفيات 12/146 ) .

قال الحافظ الذهبي ( السير 15/86 ) :
( رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات , وقال فيها : تُمرّ كما جاءت , ثم قال : وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول ) اهـ .

وكتاب الإبانة أحد هذه الكتب الأربعة .

ومرّ قريباً قول ابن خلدون ( وكان ـ يعني الأشعري ـ على رأي عبدالله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي والحارث المحاسبي من أتباع السلف وعلى طريقة السنة ) اهـ .

ويؤيد هذا أن الأشاعرة معتقدون ما في الإبانة غير منكرين له , قال الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى ( التبيين ص/388 ) :
( بل هم ـ يعني الأشاعرة ـ يعتقدون ما فيها أسدّ اعتقاد , ويعتمدون عليها أشدّ اعتماد , فإنهم بحمد الله ليسوا معتزلة ولا نفاة لصفات الله معطلة , لكنهم يثبتون له سبحانه ما أثبته لنفسه من الصفات , ويصفونه بما اتصف به في محكم الآيات , وبما وصفه به نبيّه صلى الله عليه وسلم في صحيح الروايات , وينزهونه عن سمات النقص والآفات ) اهـ .

لكن الإبانة الموجودة اليوم لا تصح نسبة أكثرها للإمام , لما جرى عليها من التحريف والتصحيف حتى كادت تكون كتاباً آخر غير الذي صنفه الإمام .

قال العلامة الكوثري رحمه الله تعالى في مقدمة كتاب " تبيين كذب المفتري " :
( والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة نسخة مصحفة محرفة تلاعبت بها الأيدي الأثيمة , فيجب إعادة طبعها من أصل موثوق ) اهـ .

وقال أيضاً ( مقدمته على كتاب إشارات المرام من عبارات الإمام للعلامة البياضي ) :
( ومن العزيز جدّاً الظفر بأصلٍ صحيح من مؤلفاته على كثرتها البالغة , وطبْعُ كتاب الإبانة لم يكن من أصل وثيق , وفي المقالات المنشورة باسمه وقفة ) اهـ .

وهذا ما ذهب إليه الدكتورعبد الرحمن بدوي مؤيداً للكوثري ( مذاهب الإسلاميين 1/516 ) قال :
( وقد لاحظ الشيخ الكوثري بحق أن النسخة المطبوعة في الهند . . تلاعبت بها الأيدي الأثيمة. . ) اهـ . كما لاحظ ذلك غيرهم من الدارسين ( انظر مذاهب الإسلاميين 1/517 وما بعدها ) , وللشيخ وهبي غاوجي حفظه الله رسالة في هذا الموضوع بعنوان "نظرة علمية في نسبة كتاب الإبانة جميعه إلى الإمام أبي الحسن " أتى فيها بأدلة موضوعية تدل على الشك الكبير في نسبة جميع ما في الإبانة للإمام الأشعري , ويؤيد هذا أن الإبانة طبعت طبعة مقابلة على أربع نسخ خطية ( بتحقيق الدكتورة فوقية حسين ) , ومقارنة هذه الطبعة مع ما تداولته الأيدي من الإبانة تعطي مثالاً واضحاًًً للتحريف والتصحيف الذي جرى على الكتاب .

يتبين من هذا أن كتاب الإبانة لايصلح أن يتخذ دليلاً على تغيرآراء الإمام أو أنه مرّ بثلاث حالات في حياته , لاسيما إذا علمنا أن الإمام صنّف الإبانة من باب التنزل ليرتقي ببعض غلاة المثبتة من وهدة التشبيه , وبهذا تنهدم الدعوى تاريخياً وعلمياً , ولن يجديها نفعاً أن يكون قائلها الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما دامت لا تستند إلى حجة وبرهان .

وبالجملة , فالحق أحق ما يطلبه المسلم , فَدعْ عنك من قال إذ الحق لا يعرف بالرجال , بل اعرف الحق تعرف أهله , وعليك بما قيل إن كان حقاً , وإلاّ فالرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل .
---------------------------------------------------

منقول للفائدة

تحية للجميع 01
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
مصطلح الاشعرية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الجمعية التونسية للعلوم الشرعية بمساكن :: منتدى الحوار :: من قضايا العقيدة-
انتقل الى: